أبي منصور الماتريدي

153

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

في إيمانهم ، كما وصفهم في آية أخرى ؛ حيث قال : وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى [ النساء : 142 ] ، وكانوا إذا أنفقوا أنفقوا كارهين ، وكانوا لا يذكرون الله إلا قليلا مراءاة للناس ، وأما المؤمنون فهم الذين يقومون بوفاء ذلك كله حقيقة ، فيظهر صدقهم بذلك ، وهو ما وصفهم [ به ] « 1 » في آية أخرى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [ الحجرات : 15 ] . ويحتمل أن يكون على الاعتقاد خاصة ، ليس على نفس العمل ؛ كأنه قال : إنما المؤمنون الذين اعتقدوا في إيمانهم ما ذكر من وجل القلوب والخشية عند ارتكاب المعصية ، والتقصير عن القيام بما عليه ، وما يرتكب المؤمن من المعاصي إنما يرتكب عن جهالة ثم يتوب عن قريب ؛ كقوله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [ النساء : 17 ] ، يرتكب ذلك إما لغلبة شهوة ، أو يعتقد التوبة من بعده ، أو يرجو رحمة الله وفضله « 2 » في العفو عن ذلك ، فيكون قوله : إنما المؤمنون الذين اعتقدوا لإيمانهم ما ذكر من الأفعال ؛ وهو كقوله : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [ التوبة : 5 ] هو على الاعتقاد والقبول له : أنهم إذا اعتقدوا ذلك وقبلوا ، يخلى سبيلهم وإن لم يقيموا الصلاة وما ذكر وكذلك الأول يحتمل ذلك .

--> - وقوله : نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ سماه ريبا لا لكونه مشكوكا في كونه ؛ بل من حيث تشكك في وقت حصوله ، فالإنسان أبدا في ريب المنون من جهة وقته لا من جهة كونه ، وعلي هذا قول الشاعر : الناس قد علموا أن لا بقاء لهم * لو أنهم عملوا مقدار ما علموا والارتياب يجري مجرى الإرابة ، ونفي عن المؤمنين الارتياب في قوله : وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ . وريب الدهر : صروفه ، وإنما قيل له : ريب لما يتوهم فيه من المكروه ، والريب : التهمة المجردة ، ومنه قول جميل : بثينة قالت : يا جميل أربتني * فقلت : كلانا يا بثين مريب والريب : الحاجة ومنه قول الشاعر : قضينا من تهامة كل ريب * وخيبر ثم أجممنا السيوف والريب : الشك المجرد ، ومنه قول ابن الزّبعرى : ليس في الحق يا أميمة ريب * إنما الريب ما يقول الكذوب وفي وصية الصديق للفاروق - رضي الله عنهما - : « عليك بالنوائب في الأمور ، وإياك والرائب منهما » قال المبرد : هذا مثل ، ويقال : راب اللبن ، إذا صفا ، وإذا كدر ؛ فهو من الأضداد . ينظر : عمدة الحفاظ ( 2 / 146 - 147 ) ، والنهاية ( 2 / 286 ) ، والمفردات ( 6 / 205 ) . ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : من فضله .